أبي الفرج الأصفهاني
310
الأغاني
شيئا / ونستمتع من هذا اليوم ؛ فقال : ما كنت لأفعل مع ما تقدم الأمير به إليّ ؛ فقالا لي : كأنّا بالأمير قد انحلّ عزمه ، وأخذك المطر إلى أن تبلغ ، ثم ترجع إلينا مبتلَّا فتقرع الباب وتعود إلى ما سألناك حينئذ . قال : فلم ألتفت إلى قولهما ومضيت ، وإذا جعفر مشرف من قصره والمضارب [ 1 ] تضرب والقدور تنصب ؛ فلما كنت بحيث يسمع تغنّيت : وأستصحب الأصحاب حتى إذا ونوا وملَّوا من الإدلاج جئتكم وحدي قال : وما ذاك ؟ فأخبرته ؛ فقال : يا غلام ، هات مائتي دينار أو أربعمائة دينار - الشك من إسحاق الموصلي - فانثرها في حجر الرّبعيّ ، اذهب الآن فلا تحلّ لها عقدة حتى تريهما إياها ؛ فقلت : وما في يدي من ذلك ! يأتيانك غدا فتلحقهما بي ؛ قال : ما كنت لأفعل ؛ قلت : / فلا أمضي حتى تحلف لي أنك لا تفعل ، فحلف . فمضيت إليهما ، فقرعت الباب فصاحا وقالا : ألم نقل لك إن هذه تكون حالك ؛ فقلت : كلَّا ! فأريتهما الدنانير ؛ فقالا : إنّ الأمير لحيّ كريم ، ونأتيه غدا فنعتذر إليه فيدعوه كرمه إلى أن يلحقنا بك ؛ فقلت : كذبتكما أنفسكما ، واللَّه إني قد أحكمت الأمر ووكَّدت عليه الأيمان ألَّا يفعل ؛ فقالا : لا وصلتك رحم . غنى هو وابن جندب بالعقيق : أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن منصور بن أبي مزاحم قال أخبرني عبد العزيز بن الماجشون قال : صلَّينا يوما الصبح بالمدينة ، فقال قوم : قد سال العقيق ، فخرجنا من المسجد مبادرين إلى العقيق ، فانتهينا إلى العرصة [ 2 ] ، فإذا من وراء الوادي قبالتنا دحمان المعيّ وابن جندب مع طلوع الشمس قد تماسكا بينهما صوتا وهو [ 3 ] : / أسكن البدو ما سكنت ببدو فإذا ما حضرت طاب الحضور وإذا أطيب صوت في الدنيا . قال : وكان أخي يكره السّماع ؛ فلمّا سمعه طرب طربا شديدا وتحرّك ؛ وكان لغناء دحمان أشدّ استحسانا وحركة وارتياحا ؛ فقال لي : يا أخي ، اسمع إلى غناء دحمان ، واللَّه لكأنّه يسكب على الماء زيتا . نسبة هذا الصوت صوت أوحش الجنبذان [ 4 ] فالدّير منها فقراها فالمنزل المحظور أسكن البدو ما أقمت ببدو فإذا ما حضرت طاب الحضور
--> [ 1 ] المضارب : جمع مضرب وهو الفسطاط العظيم . [ 2 ] العرصة ( بالفتح ) : بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء . وبالعقيق عرصتان من أفضل بقاع المدينة وأكرم أصقاعها . ذكر محمد بن عبد العزيز الزهري عن أبيه أن بني أمية كانوا يمنعون البناء في عرصة العقيق ضنا بها ، وأن والي المدينة لم يكن يقطع بها قطيعة إلا بأمر الخليفة . [ 3 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « وهو قوله » . [ 4 ] الجنبذ معرب كنبذ بالفارسية ، ومعناه : الأزج المدوّر كالقبة . والشاعر هنا يريد به مكانا بعينه .